السيد عبد الأعلى السبزواري
77
مواهب الرحمن في تفسير القرآن
عليكم بغفران ذنوبكم وما صدر منكم من السيئات ، قولا وعملا إذا رجعتم إليه بترك ذلك . ويمكن أن يراد بالتوبة في المقام المعنى العامّ ، وهي الرجوع على العباد بالنعمة والرحمة في تشريعه للأحكام التي يكون العمل بها موجبا لغفران ذنوبهم . قوله تعالى : وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ . أي : واللّه عليم بما أنتم عليه من خطرات قلوبكم وأعمال جوارحكم ، وما يترتّب عليها من المصالح والمفاسد . وحكيم بمصالحكم وجميع مجعولاته التكوينيّة والتشريعيّة ، فيشرّع لكم ما يهديكم ويكون سبب سعادتكم . ثم إنّ إرادته تعالى في قوله جلّ شأنه : يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ هي الإرادة التكوينيّة الأزليّة ، التي لها دخل في التكوين ونظامه ، والهداية التكوينيّة لمعرفة الحسن والقبح بإفاضة العقل إليهم . وفي قوله تعالى : سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ ، التسلية للمؤمنين ممّا لا قوه من المشركين من المتاعب ، ولبيان أنّ ما كانوا فيه من البأساء والضراء ، لقصور عقولهم عن درك مصالحهم ومفاسدهم وتماديهم في ذلك . قوله تعالى : وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ . تأكيد لما سبق وبيان بأن الصلاح واتباع شريعة الحقّ إنّما يكونان بلطفه وعنايته عزّ وجلّ بالمؤمنين ، فكانت هذه التوبة لأجل هدايتهم إلى العمل بالشريعة ، والتوبة الأولى لأجل ما صدر عنهم من سيئات الأعمال ، وهذه الإرادة التشريعيّة التي هي أيضا جزء من نظام التكوين ، بل يعتبر من أهمّ أجزائه والإرادة الأولى هي الإرادة التكوينيّة كما عرفت ، فجعل تبارك وتعالى نفس الإسلام توبة لما صدر منهم قبله ، كما في قوله صلّى اللّه عليه وآله : « الإسلام يجبّ ما قبله » ، كما تشمل ما بعد الإسلام أيضا ، فيستعدّ المؤمن لتلقّي المعارف وقبول الهداية الربانيّة